الربان وسام هركي يكتب رسالة للدولة هل حان الوقت لإعادة التفكير في تغير مصطلح “التمكين”؟

الربان وسام هركي يكتب رسالة للدولة هل حان الوقت لإعادة التفكير في تغير مصطلح “التمكين”؟

منذ عام ٢٠١٤، أصبحت كلمة “التمكين” من أكثر الكلمات تداولاً في الخطاب الرسمي و الإعلامي، خصوصاً عند الحديث عن المرأة و الكلمة في أصلها، ليست كلمة سلبية، فهي كلمة عربية أصيلة وردت في القرآن الكريم.

كما أن مصطلح “التمكين” لم ينشأ داخل الحركات النسوية فقط، بل ظهر في مجالات التنمية و الإقتصاد و حقوق الإنسان، ثم توسع إستخدامه ليشمل تمكين الشباب و ذوي الهمم و رواد الأعمال و غيرهم.

لكن المشكلة ليست دائماً في المصطلح و إنما في أثر إستخدامه المتكرر و كيفية إستقباله داخل المجتمع،
فأي كلمة تتكرر بإستمرار تترك أثراً نفسي في الوعي الجمعي و عندما يسمع قطاع من الشعب، لسنوات طويلة، كلمة “تمكين المرأة” دون أن يقابلها خطاب متوازن يتحدث أيضاً عن تمكين المرأة مع الحفاظ علي الأسرة او دعم الأسرة و مسؤوليات الطرفين و إحتياجات الرجال و النساء معاً، فمن الطبيعي أن يشعر العديد من الشعب بأن الخطاب العام و القوانين و النفوذ للدولة أصبح موجهاً لفئة واحدة أكثر من غيرها.

و سواء إتفقنا أو إختلفنا مع هذا الشعور، فإن هذا شعور موجود بالفعل لدى اكبر شريحه من المواطنين بسبب أمور عديدة و لا ينبغي تجاهله أو السخرية منه، لأن إدارة الخطاب المجتمعي الناجح الغير متحيذ و الغير مفرق و الغير مميز تبدأ بالاستماع إلى جميع الأطراف.

المشكلة ليست في دعم المرأة لأن المرأة هي أمي و زوجتي و أختي و أبنتي و أن دعم المرأة في التعليم و العمل و حمايتها من العنف و إتاحة الفرص العادلة لها، أهداف مشروعة يتفق عليها الدين و كل المجتمع و لكن في المقابل، يجب أن يكون الخطاب العام قائماً على مفهوم العدالة و التوازن، لا على خلق إنطباع بأن المجتمع و الدولة اصبحت تعمل لإرضاء طرف يُمكَّن بإستمرار و طرف آخر لا يُلتفت إلى همومه و مشاكلة.

فإستقرار الأسرة و المجتمع لا يتحقق بتمكين الرجل على حساب المرأة و لا بتمكين المرأة على حساب الرجل و إنما بتحقيق العدالة بينهما و ليس بالتقسيم و لا بالتميذ إلا بالكفائة العملية و الخدمة المجتمعية.

سعدت مؤخراً بوجود نقاشات مجتمعية مستمرة حول قوانين الأحوال الشخصية و الأسرة، التي خرجت مسبقاً بشكل سيء لنا جميعاً و غير عادل و غير متماشي مع ديننا و عادتنا و تقاليدنا و التي كان السبب في خروجها بهذا الشكل شخصيات تعمل علي تنفيذ اسوء ما يحدث في دول الغرب محاولين تحويل قوانين الاحوال الشخصية الي مرجع علماني و هو مرفوض بكل الأشكال و السبل.

ومهما إختلفت الآراء، فإن تطوير القوانين ينبغي أن يتم من خلال حوار مجتمعي واسع، يستند إلى الدستور و القانون و الشريعة الإسلامية حيث تكون هي المرجعية، مع مراعاة مصلحة الأسرة بأكملها بعيداً عن التمكين المستمر.

ألم يحن الوقت في إعادة النظر في تغير كلمة “التمكين” نفسها داخل الخطاب العام، ليس لأنها كلمة خاطئة لغوياً أو شرعاً، وإنما لأن نسبة كبيرة من الشعب و تحديداً الذكور أصبحوا يربطونها بمعانٍ سلبية نتيجة كثرة إستخدامها في سياقات كثيرة لمجرد الوصول لأهداف شخصية للبعض و يستغلها البعض الاخر من السادة المتملقين الذين يحاولوا الظهور كداعمين للمرأة في ملف التمكين و نسبه كبيرة منهم في الحقيقة مجرد متملقين يهدفوا فقط للإرتقاء بمكانتهم المجتمعية و العملية تحت ظل مسمي تمكين المرأة و ليس اكثر.

و دعوني اذكر ايضاً أن الإنتقادات الواسعة التي تعرضت لها المؤسسات المعنية بقضايا المرأة مؤخراً و على رأسها المجلس القومي للمرأة، كما تعرضت بعض الشخصيات النسوية لإنتقادات مشابهة من كافة فئات و مستويات الشعب مما أدي الي أنهم اصبحوا الآن يغلقوا التعليقات علي منشوراتهم علي صفحاتهم الرسمية، كل هذه الانتقادات من الشعب و غلق التعليقات هو نتيجه ظهور ميولهم للتمكين لفئة عن فئة بما لا يتماشي مع العداله و العقيدة الاسلامية و لا عادتنا و تقاليدنا بالإضافة لشعور المواطن المصري بالظلم و ليس العدل المفروض تنفيذه بسبب التمكين.

و ما يحدث يستحق التوقف و التأمل، ليس من باب إدانة طرف أو تبرئة آخر و إنما لفهم أسباب هذا الإحتقان المجتمعي، فالرسائل العامة ينبغي أن تُسهم في تعزيز العدل و المساواه و الثقة و التفاهم بين مكونات المجتمع، لا أن تفضيل لطرف على حساب آخر ، كما حدث من السادة الوزراء مؤخراً من تنفيذ الإجراءات التي ستتبع من اجل الحصول علي نفقه المرأة المشروع مهمشين و ضاربين بعرض الحائط الجانب الآخر الخاص بإستضافه الأب لأبناءه.

و من هنا، فإن مراجعة أسلوب الخطاب و القوانين و التحرك التنفيذي و آليات التواصل مع المواطنين قد تكون خطوة اولية مفيدة لوطنا لبناء توافق مجتمعي أوسع، لذلك فقد آن الأوان للانتقال من لغة “تمكين طرف” إلى لغة “بناء مجتمع متوازن” فلا الرجل خصم للمرأة و لا المرأة خصم للرجل، بل كلاهما شريكان في بناء الأسرة و المجتمع.

و لذلك، فإنني أطالب إلى مراجعة استخدام مصطلح “التمكين” في الخطاب العام، والبحث عن مصطلحات أكثر شمولًا و إزاناً، تُعبّر عن العدالة مثل ” تكافؤ الفرص و التنمية المتوازنة” ، بدلاً من مصطلح أصبح، لدى شريحة كبيرة من المواطنين، يحمل دلالات نفسية و إجتماعية سلبية نتيجه لما نشاهده من تفرقة و تميز علي أرض الواقع.

كما أدعو جميع المؤسسات المعنية بالمرأة، إلى تقييم أثر خطابها المجتمعي بصورة دورية و تحديداً الآن و العمل على تغيير إستراتيجيتهم و تعزيز لغة الحوار و التوافق حتي يستطيعوا ان يستعيدوا ثقة النسبة الاكبر من رجال و سيدات مصر، بما يرسخ وحدة المجتمع ، لأن قوة أي مجتمع لا تُقاس بإنتصار طرف على آخر و إنما بقدرته على تحقيق العدل و نشر الوعي الصحيح و الحفاظ على تماسك الأسرة و بناء الثقة بين جميع أبنائه لتحيامصر و يحيا شعبنا العظيم في أمن و تقدم و رخاء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *